الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

331

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الأصمعي وأبي عبيدة كان طريقة للعرب في الميسر بحسب ما يصطلح عليه أهل الميسر ، وإذا لم يجمع العدد الكافي من المتياسرين أخذ بعض من حضر سهمين أو ثلاثة فكثر بذلك ربحه أو غرمه وإنما يفعل هذا أهل الكرم واليسار لأنه معرض لخسارة عظيمة ، إذ لم يفز قدحه ، ويقال في هذا الذي يأخذ أكثر من سهم متمّم الأيسار قال النابغة : إني أتمّم أيساري وأمنحهم * مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدما ويسمّون هذا الإتمام بمثنى الأيادي كما قال النابغة ، لأنه يقصد منه تكرير المعروف عند الربح فالأيادي بمعنى النعم ، وكانوا يعطون أجر الرقيب والحرضة والجزّار من لحم الجزور فأما أجر الرقيب فيعطاه من أول القسمة وأفضل اللحم ويسمونه بدءا ، وأما الحرضة فيعطى لحما دون ذلك وأما الجزار فيعطى مما يبقى بعد القسم من عظم أو نصف عظم ويسمونه الريم . ومن يحضر الميسر من غير المتياسرين يسمون الأعران جمع عرن بوزن كتف وهم يحضرون طمعا في اللحم ، والذي لا يحب الميسر ولا يحضره لفقره سمي البرم بالتحريك . وأصل المقصد من الميسر هو المقصد من القمار كله وهو الربح واللهو يدل لذلك تمدحهم وتفاخرهم بإعطاء ربح الميسر للفقراء ، لأنه لو كان هذا الإعطاء مطردا لكل من يلعب الميسر لما كان تمدح به قال الأعشى : المطعمو الضيف إذا ما شتوا * والجاعلو القوت على الياسر ثم إن كرامهم أرادوا أن يظهروا الترفع عن الطمع في مال القمار فصاروا يجعلون الربح للفقراء واليتامى ومن يلم بساحتهم من أضيافهم وجيرتهم ، قال لبيد : أدعو بهن لعاقر أو مطفل * بذلت لجيران الجميع لحامها فالضّيف والجار الجنيب كأنما * هبطا تبالة مخصبا أهضامها فصار الميسر عندهم من شعار أهل الجود كما تقدم في أبيات لبيد ، وقال عنترة كما تقدم : ربذ يداه بالقداح إذا شتا * هتّاك غايات التّجار ملوح أي خفيف اليد في الميسر لكثرة ما لعب الميسر في الشتاء لنفع الفقراء ، وقال عمير ابن الجعد :